السعيد شنوقة

155

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

نفي التشبيه عن الله تعالى : حرص المعتزلة على نفي التشبيه والتجسيم عن الله سبحانه ، ولم يسلكوا مسلك كثير من المسلمين في الإمساك عن الكلام في الآيات التي دل ظاهرها على التجسيم أو التي فهم من ظاهرها الجهة أو المكان ، وإنما سعوا إلى نفيها عن الله تعالى ، ونحن نجد هذا في ردود بعضهم التي يدافعون فيها عن أصولهم ، ويؤكدون فيها بأن الأمة كلها تصدق المعتزلة في أصولها التي تعتقدها وتدين بها وهي : « أن الله واحد لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ف لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] ، وأنه لا تحيط به الأقطار ولا يحول ولا يزول ولا يتغير ولا ينتقل ، وأنه تعالى : الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : 3 ] وأنه فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [ الزخرف : 84 ] وأنه أقرب من الوريد وأنه القائل : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا [ المجادلة : 7 ] ، وأنه القديم وما سواه محدث . . . . » « 1 » ، وقد نفى القاضي عبد الجبار هذا التجسيم والمماثلة ، فقال : « ولو كان جسما لكان محدثا وقد ثبت قدمه لأن الأجسام كلها يستحيل انفكاكها من الحوادث التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون ، وما لم ينفك من المحدث يجب حدوثه » « 2 » ثم قال : « لو كان الله تعالى جسما - ومعلوم أن الأجسام كلها متماثلة - لوجب أن يكون الله تعالى محدثا مثل هذه الأجسام . الأجسام قديمة مثل الله تعالى لأن المثلين لا يجوز افتراقهما في قدم ولا حدوث وقد عرف خلافه » « 3 » ، وأشار الشهرستاني إلى نفيهم التشبيه من كل وجه : « مكانا وجهة وجسما وصورة وانتقالا وتحيزا وزوالا وتغيّرا وتأثرا » وقال بأنهم « أوجبوا تأويل الآيات المتشابهة . وسموا هذا النّمط توحيدا » « 4 » ، وبنوا فهمهم لحقيقة الجسم على معنى أنه الطويل العريض العميق الذي لا يتحقق له ذلك إلا بالتأليف وبالتركيب .

--> ( 1 ) - الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد ، ص 35 - 36 . ( 2 ) شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 150 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص ، 150 ( 4 ) الملل والنحل ، ج 1 ، ص 57 .